أحمد بن يحيى العمري
33
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ولد بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومئتين ، ونشأ بها وأخذ عن السجستاني والرياشي وغيرهما ، ثم انتقل إلى عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة ، ثم عاد إلى البصرة ، وسكنها زمانا ، ثم خرج إلى نواحي فارس بصحبة ابني ميكال ، وعمل لهما كتاب الجمهرة ، وقلّداه ديوان فارس ، وكانت الكتب تصدر عن رأيه ، ولا ينفذ إلا بعد توفيقه ، فأفاد أموالا عظيمة ، وكان لا يمسك درهما سخاء وكرما ، ثم أتى بغداد سنة ثمان وثلثمئة بعد انتقال بني ميكال إلى خراسان . وأجرى عليه المقتدر خمسين دينارا في كل شهر ، ولم تزل عليه إلى حين وفاته . وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه ، تقرأ عليه دواوين العرب ، ويسابق إلى إتمامها حفظه . وسئل الدارقطني أثقة هو أم لا ، فقال : تكلموا فيه . وقال الأزهري : دخلت عليه فرأيته سكران ، فلم أعد إليه . وقال ابن شاهين : كنا ندخل فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفّى . وذكر أن سائلا سأله أشياء فلم يكن عنده غير دنّ من نبيذ فوهبه له ، فأنكر عليه بعض غلمانه ، وقال : تتصدّق بالنبيذ ، فقال : لم يكن عندي شيء سواه ، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ فقال لغلامه : أخرجنا دنا فجاءنا عشرة . وعرض له رأس السبعين من عمره فالج ثم سقي الترياق فبري وصحّ ، ورجع إلى أحسن أحواله ، ثم عاوده الفالج بعد سنة لغذاء كان يتناوله فظل ثم كان يقول : [ الطويل ] فواحزني أن لا حياة لذيذة * ولا عمل يرضى به اللّه صالح وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقين من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمئة ، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية ، وهو اليوم الذي مات فيه الجبائي المتكلم . فقال الناس اليوم مات علم اللغة والكلام .